ابو القاسم عبد الكريم القشيري

16

الرسالة القشيرية

ثم رجعوا إلى اللّه « 1 » ، سبحانه وتعالى ، بصدق الافتقار ، ونعت الانكسار ، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال ، أو صفا لهم من الأحوال . علما منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد ، ويختار من يشاء من العبيد . لا يحكم عليه خلق ولا يتوجه عليه مخلوق حق . ثوابه : ابتداء فضل . وعذابه : حكم بعدل . وأمره قضاء فصل « 2 » . ثم اعلموا ، رحمكم اللّه ، أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ، ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثّرهم ، كما قيل : أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائها حصلت الفترة « 3 » في هذه الطريقة . . . ، لا ، بل إندرست « 4 » الطريقة بالحقيقة : مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء ، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ، وزال الورع وطوى بساطه ، واشتد الطمع وقوى رباطه . وارتحل عن القلوب حرمة « 5 » الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة « 6 » ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام « 7 » . ودانوا « 8 » بترك الاحترام ، وطرح الاحتشام ، واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا إلى اتباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات ، والارتفاق « 9 » بما يأخذونه من السوقة ، والنسوان ، وأصحاب السلطان .

--> ( 1 ) رجعوا إلى اللّه : فعملوا بأحكام اللّه تعالى متبرئين من الحول والقوة ، مراقبين اللّه في حركاتهم وسكناتهم ملاحظين أنفسهم بالانكسار والافتقار إليه تعالى . ( 2 ) وهؤلاء الموصوفون بما ذكر ، هم : المقربون المتصفون بالإحسان . وفي الخبر الصحيح : « ما الاحسان ؟ قال أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » والأمة درجاتهم متفاوتة ؛ وينقسمون إلى : أصحاب اليمين ، وإلى المقربين كما دل عليه القرآن الكريم ، فمن صح إيمانه وعمل بما أمر به شرعا فهو من أصحاب اليمين ، ومن قلت غفلاته وتوالت منه نوافله وطاعاته ، وتوالى على قلبه ذكره ودعواته فهو المقرب والمحسن ، ويعبر عنه ب « الصوفي » الذي صفا عن الأخلاق المذمومة وتخلق بالأخلاق المحمودة ، حتى أحبه اللّه وحفظه في جميع حركاته وسكناته ، كما جاء في الخبر الصحيح : « ما تقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ( 3 ) الفترة : التراخي والتفريط في طريقة الصوفية . ( 4 ) إندرست : زالت ومحيت ، يقصد أن طريقة الصوفية في الحقيقة قد زالت معالمها من نفوس الكثيرين بعد أن غلب عليهم قلة المبالاة ومخالفتهم الشريعة . ( 5 ) حرمة الشريعة : احترامها . ( 6 ) أي جعلوا قلة الاهتمام بأحكام الدين أقوى وسيلة يصلون بوساطتها لمقاصدهم الدنيوية الخسيسة . ( 7 ) لم يفرقوا بين الحلال والحرام . بل جمعوا بينهما من غير تحر . ( 8 ) تدينوا بعدم احترام الشيخ والعالم والكبير . ( 9 ) الارتفاق : الانتفاع .